الثريا...
"كالسّاقية.. تسير بنا الأيام، في انسياب كلّي ،أو
كعراقيل، كطحالب و عوالق تسحبها المياه سحبا..
وتراني بين هذا وذاك أنقاد دون اختيار.."
فكّرت يوما أن أغيّر بعض الرتابة.. وأن
أسلك الطريق الذي أختار. خططت ورسمت
خرائطي دون إعتبار للمسافات ولا الزمان هكذا
كان دأبي، وكنت أتحيّن الفرص لأمتطي صهوة
جياد التغيير - هو الغرور - ولكنّه مطلب كسائر
المطالب الأخرى كالأحلام، كالأمنيات ،كالأخلاق والأملاك.. وغيرها.. غير أنّي في مستهلّ رحلتي وددت أن يكون سفري بالليل..
إثارة، خوارق كانت تدفعني دفعا كمن
به مسٌّ، لطالما كنت أتجنبها أحيد عنها لعلمي أن
مسلكها متشعب.. ولكنّي أيقنت أنّ الليل كفيل
بردم الشوائب أو كما يقال "الليل صندوق الأسرار" تحت نور خافت حجبت عنّي بعضه غيمات نزقة سرت بأرجل فلاق كأنّ بها أصفاد
أدفع أولاهما للسير فتتردد الثانية إمّا رهبة،
وإمّا خجلا من التهتًّر، أجول ببصري بين أعمدة
المصابيح الكهربائية الباهتة لونها كأيامي.. قطط
تموء و تنطّ، بعض الكلاب السائبة تحدث جوقة نباح، تهرّ ، وتعدوا غير بعيد، روائح الحاويات
تخنفني، تكاد تسدّ أنفاسي.. كنت ألتفت عن
يميني وعن شمالي، أركل علبة طائشة فأحدث
قعقعة.. يعلو صوتي بالأهازيج أعلم بعضها وبعضها الآخر لا يعبّر عن شيء، فقط أنطقه كي أطرد عنّي بعض الخوف..
في نتوء غير بعيد، تحت جدار المسجد خشخشة، أنين وكحّة يكاد الصدر ينفلق منها..
دنوت رغم أنّ وجلي يزداد من حين لآخر..
كومة من سرابيل، بقايا خبز قد بدى لونه بين الزرقة والسواد وعلب سردين صدئة.. جموع من الهررة تتمسح على أكتاف عجوز مقعدة.. ألقيت
السلام.. !! أعدته كم مرّة حتى خلت أنّي
أكلّم نفسي ووددت لو أكملت طريقي.. إقتحم
وجلي يدٌ قد تفحّمت إمتدّت فمسكت بأسفل
بنطالي وتسحبني نحو الأسفل.. جلست قهرا !!
_من أنت !! ؟ ماذا جاء بك هاته الساعة !! ؟
سؤال حيّرني في غياب الجواب.. كيف لي أن أقنعها ؟ هل أصيح بأعلى صوتي كي تسمعني؟
جلست القرفصاء، مسكت بيدها وانا أنظر إلى أسارير وجهها وبريق عينيها الغائرتين.. لم تكن إلا
تباريح حطت رحالها على ظهر قحمة، همست، وشوشت،أعلوت صوتي ولكنّي أجزمت على أن أصرخ.. !!
_ أنا.. أنا عبد الله كنت مارا من هنا أردت أن
أطرد عنّي بعض الرتابة التي أعيشها يوميا...
_ هههه أمّا هذه فأعيشها منذ أكثر من خمسين
عاما.. أتقلقك الرتابة؟
كانت ضحكاتها كنقر على دفّ قطّع جلده، بحّة
مع صوت حبال قد أتلفت رنّاتها..
قلت : نعم !!
قالت : إذا أنت لست من هذا البلد؟
قلت : بلى، ولكني قليل الظهور ربّما لـ ...
قالت : أترى تلك الثريا؟
قلت : وما الثريا ؟!!
قالت : هنّ بين خمس أوسبع نجمات، لكلّ واحدة
منها أضعاف عمرٍ ولّى.. كلّما تستقر الواحدة
منهنّ في مدارها أنام على وجيعتي، أغيّر
سربالي وأتوسد احزاني.. الصوم بالنسبة
لي على مدار الحول.. واللقمة يسيرة.. بقدر
عدد الحاويات. هب أنّك صادفت مثلي، هل
تسامره؟ أيمكنك أن تجلي عنه بعض من
الوحدة؟ أيمكنك أن تلتحف بعض شجونه
وهمومه؟ !!
_ هه !!
وأردفت بحسرة وكأنّ الدمع قد فارق مقلتيها
منذ سنين..
_ "في الزمن الأغبر حين وضعي، كنت ممتشقة
القوام، وكان زوجي فلاحا يعمل بأرضه لا ينقصنا
شيء.. هبّت ريح ومطحنة.. كنت ساعتها بشهري
التاسع ثقيلة الحركة، وقد علمت أن مشادات
حدثت بين وجهاء القرية والفلاحين.. لم آبه لذلك
ولكنّي أحسست بانقباض. كان لنا بغل أشهب
بطيء السير أسرجته واستعنت بجارتي لأمتطي
صهوته.. وأنا بطريقي للضيعة اعترضني "حميد"
ابن عمّ زوجي ألقى السلام :
_ أين تذهبين يا حدّة؟ الحرس قد طوق المزارع
و"عبد النور" مسجى لا نعلم من الذي ارداه
قتيلا !! واصلت سيري، كلّ الدمع الذي أملكه قد استنزفته ساعتئذ.. كلّ معنى البكاء فارقته منذ تلك اللحظة، وكلّ الكمدات قد أردفتها على ظهري حتّى أنّي لم أعد أكترث لغيرها.. إستدعاني
رئيس مركز الحرس.. كثرت السين والجيم..
حُفِظَتِ القضية وصادروا الأملاك.. بعد ستة وثلاثين شهرا، علمت أن أحدا يخاطبني ، يسألني
بالحاح، يستحثني أن أبوح، أن أفضفض، أن أصيح.. كان إبني المقعد يسألني كلّ حين، بل
كلّ طرفة عين.. عنيد كعبد النّور.. "
فتحت مسجل جوالي وأنا أرتعش، غيّرت فكرتي
ثم فتحت الفيديو لا بل ملتقط الصور.. عدت من جديد وأنا أسجل الصوت.. لم تحلُ لي الفكرة
إستقر رأي على أخذ فيديو كاملا.. كان بالقرب
منّي جزء من كرتون قد أعدّ للتدفئة سحبته
وافترشته.. مددت يدي داخل جيبي، أخذت سجائري وأنا ألهث خلف التسجيل...
عقارب الساعة تنبئ بعلامة الإنتصار، كنت
قد تركت عشائي على الموقد يسخن.. لم أتفطن
للأمر.. وأي عشاء بعد الذي أسمعه.. هي فرصة الإستمتاع، هو ذا الموضوع الذي أبحث عنه،
عُد يا عبد اللّٰه إلى رشدك.. لكزتني وكأنها تريد
أن أبدي إهتماما أكثر أو ربّما حدسها أوحى لها
بأني سأنقل معاناتها..
_قالت : إقترب ولا تبتئس !! ها إنّني أراك على
عجل؟ فما يستعجلك؟ أمّا أنا فإني أبات أسعل
وجروي جنبي يهرّ، وتلك الهرة المشاكسة تموء
طول الليل.. فلا أكاد أنكفئ عنهما حتى يناما،
فأنام نومة الموتى.. أو تعرف نومة الموتى؟ !!
تتوقف عن الكلام، تتريّق ريقها الجاف
ولعلّه حنظل كمرارة أيامها، تبتلعه، وبشفاه أظهرت أخاديدها.. تتنهد وتكمل حديثها..
_"حسين " طفلي الذي لم أرهُ منذ ذلك الحين كان مشوه الخلقة لم يعش أكثر من ثلاث. كان أملي الوحيد بعد وفاة عبد النّور، أوّل ما نطق به لسانه" أمّي".. هكذا كانت عبارته" أمّي" !!
تـتَـقَـوَّسُ ،تقعى، تسحب قنينة ماء قميئة فتجرع منها قطرات علقت بها ثمّ تشير عليّ بالإنصراف..
_قالت : عُدْ لي باكرا.. !! فمع كلّ نجمة حكاية
قحمة.. ولعلّ نجمتي السادسة ستبزغ عن قريب.. فلا تتأخر..
قفلت راجعا وأنا أحث خطوي كي ألحق ما
بقي من عشائي على الموقد ، إفزعني هرّ متشرد يقفز من فردة حذاء ملقاة بالطريق ألقى في نفسي ذعرا شديدا ، وميض البرق ينبئ بطقس مطير، سارعت سيري.. في الأزقة المظلمة..
يا أناي.. !! وقع جوالي في بركة ماء، أتلف، عانق
التسجيل الخواء !! مكثت أنتظر ميلاد نجم آخر
لتكتمل الثريا فأعود..
#انتهت
حاتم_الإمام_غضباني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق