الأحد، 26 مايو 2019

خمرة نووية ..بقلم الاديب جمال الطرودي

------ خمرة نوويّة -------
كان عسبورة و فرفور يحتسيان من العصائر ألوان و من الخمائر أشكال و حولهم الشّاربون يتلذّذون  السوائل و يدندنون كخليّة نحل. لا يعلم عسبورة ما الذي أصاب فرفور لمّا تحدّث عن الصّراع النّووي و أراد التّعرّف على التّفاعلات الذّرّيّة و معرفة هذه الطّاقة النّوويّة. نهاه عسبورة عن غيّه وطلب منه الكفّ عن الكلام البذيء ، ليس المكان المكان و ليس المقام المقام ،هنا لا يسبّ أحد أحدا و لا يشتمه و لايكفّره . و إذا طلب من السّاقي شربه طلبه بلطف وتأدّب، هنا الحديث عن الذّرّة  تجذيف و قلّة حياء، لا لإفساد النّشوة و تعكير المزاج  بما يفرزه العقل. و واصلا الجلسة حتى إذا التفت فرفور ليطلب من السّاقي حارة  من الجعة رافعا أربعة أصابع .  صبعه عسبورة في عين ظهره. انتفض فرفور و التفت ، وحدج عسبورة بعين عسبار فوجد الأخير يشير بإصبعه  إلى الذي بجانبهما في الطّاولة المحاذية. هوى عليه فرفور بصفعة على قفاه سكنت لدويّها الخمّارة برهة. ثمّ انفجرت باللّكم و الرّكل  و الضّرب بالكراسي و ما تصل إليه الأيدي من كؤوس و قوارير لا يهمّ من يكون المضروب الأهم ّ أن يكون من الضّرّابين، لا مجال للحياد. المحايد سوف تطعنه  الصّواريخ  في كلّ مطعن، و سوف يكون هدفا للضّعفاء من المتحاربين. ''أظلمْ فإن لم تَظلمْ تُظلمِ **و مَن لم يذُدْ عن حوضه بسيفه يُهدمِ'' . لم تقطع المعركة إلّا صفّارة الباقة و هي تسرع قبل كنس الميدان من الدّماء و القيء، و تعطيره بعد تطهيره من  البول و الخرء، لحمل الأجرام المتهالكة  إلى مخفر البند السّابع على الجادّة الثّامن و الأربعون. عند سماع الصّفّارة تسلّل عسبورة و فرفور إلى المرحاض و حطّما النّافذة ثمّ تسلّقا إلى الخارج و لم يتفطّن إليهما حرّاس النّاتونة.
جريا عبر الأزقّة و الأنهج الضّيّقة، بين الحفر و المزابل التي تتكدّس في الشّوارع الخلفيّة للمدينة . حيث يسكن الفقراء و المنبوذون و الفارّون   و القطط و الكلاب و السّوام من البشر و الهوام و من تناستهم الحكومات، فجعلت من أراضيهم مكبّا للفضلات الكيميائية  و المخلّفات النّووية و مخزنا  لأصوات الانتخابات تستخرجه بأشطان الوعود الزّائفة  و الأكاذيب  كلّ بضعة من السّنوات من غياهب المدنيّة الواطئة . هما يعرفان أنّ عصى الحكومة لا تدخل الحارات إلاّ عند بيعها لإجلاء المتمرّدين و بناء العقارات. أمّا النّظام فمستتبّ تقيمه عوضا عنها  الجماعات و العصابات. لا إشارات و لا  و لا علامات و لا ممثّل عن السّلطات غير المخبرين و القوّادين أمام بوّابات تتعالى منها مداخن الأفيون و  الآهات مرّا بالقرب منها بهدوء وقاما بأداء التّحيّة احتراما للمخابرات.
ثمّ يجريان و الحيطان المنسلخة تتعاورهما كلّما ارتطما انسلخ    سلخ فرقع على أرضيّة        تتخللّها المجاري و القاذورات. حتى وصلا إلى  النّهر. جلسا على درابزين  الجسر و هما يضحكان  و يسعلان و قد سال المخاط على الصّدر فرحين بالنّجاة من الكبسة وهما مبلّلين من المفرق الى الأخمص و قد فاحت رائحتهما كجرذين فرّا من إحدى البالوعات  . بعد أن التقطا النّفس قال عسبورة: '' أرأيت كيف أنّ إصبعا واحدا، و هو يقبض على أصابع يده اليمنى بالإبهام و يطلق الوسطى منتصبا، أطلق انفجارا نوويّا. لم يلزم سوى هذا لإطلاق طاقة العنف و الكراهيّة الكامنة في القلوب''.
توسّعت عينا فرفور كتوسّع الفقاعة بعد الانفجار الذّرّيّ. و لكز عسبورة على صدره لكزة لم يتماسك لها عسبورة  و فقد توازنه  فسقط إلى الخلف و قد أمسك بدبر فرفور و جذبه معه إلى النّهر و لمّا يكملا : يا ولد القح...بق بق!
غاصا في الماء و جعلا يتخبّطان
في ظلمات الزّمكان و الفؤاد. انجذبا إلى بعضهما من الصّدفة أو هي جاذبيّة حتميّة  مسطّرة على خطوط القضاء توجّه الى القدر. أمسكا بعضهما بعضا في وضع التّاسع و السّتّين و اندمجا فزاد الاختناق اختناقا لمّا ضغط كلّ واحد منهما بفخذيه على رقبة الآخر . اضطربا ولكزا و لطما و رفسا فانشطرا  . طفا عسبورة على السّطح و جعل يعبّ الهواء و يتخبّط ثمّ هدأ روعه و عاد إليه رشده فخفق قلبه و  نادى بأعلى صوته ، لا مجيب.  غاص فورا و سحب نديمه إلى ضفّة النّهر. بقيا ممدّدين على الصّخور النّاتئة كأسنان الكلاب حتى جمّدهما البرد، و أذهب   عنهما البلل و الزّمهرير آثار السّكر. لقد تطهّرا وعادا سالمين من النّهر المقدّس الذي لا ينجو منه الآثمون . عندئذ أقعيا  و جعلا يتأملان  النّهر  في جريانه لا يكترث لأحد في ليلة من اللّيالي السّود التي يقرّح فيها كلّ عود،  و قد انعكست على صفحته  صورة للمدينة الرّاقية ، صافية ، دون مساحيق كوجه مومس تغادر الماخور. رغم غموضها استثارتهما بوزوزة أستها و ارتجاج النّهود  . وقفا، خلعا ، مدّا أيديهما و ثنيا قليلا الرّكب ، تحفّزا  ، تبادلا  نظرة انتشاء  و ارتميا الى عالم القحبقبقة .
جمال الطّرودي/ تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق