قرية الاشباح
في ليلة مظلمة باردة من ليالي الشتاء، عم سكون رهيب قرية الاشباح التي اسكنها الا من صوت صرخات متتالية لرضيع حديث الولادة يتناهى الى مسامعي.
حاولت استراق النظر من خلال الكوة الموجودة بغرفتي المطلة على ساحة ممتدة فلم يسعفني ذلك في معرفة ما يحدث . حاولت مرة اخرى بفتح نافذة خشبية احملق في العتمة عساني اتبين موقع صدور الصوت. زادت حيرتي مع هذا الاخفاق فقررت الخروج من البيت علني اساعد هذا المخلوق...
اخذت معطفي ووضعت قفازي على يداي ، وبدأت رحلة بحثي عن ضالتي في جو يكاد يعصف بالأعصاب من فرط القر وشدة البرد. طفقت اشق العتمة في اتجاه الصراخ الذي تزداد نبرته الحزينة حدة ويزداد معها خفقان قلبي كلما اقتربت منه. فاذا بشبح يقف امامي مذعورا مرتجفا من البرد الشديد لا اكاد اميز تقاسيمه ، توسلني الشبح ان امد له يد المساعدة بإخبار الطبيب بحالة امرأة تئن تحت رحمة نزيف حاد اثر ولادة. لقد طلبت مني المسكينة العجوز ان احضر لها الطبيب الشبح الذي لم يعرف بدوره انه شبح، يسكن كل نفس بهذه القرية...
طمأنت السيدة العجوز التي لم اتبين من ملامح وجهها ادنى تفصيل، الا انني لمست نبرتها الحزينة و المؤلمة - وما زالت تنتظر الطبيب - اني سأعمل قصارى جهدي لإخبار الشبح الذي يسكن المستوصف عساه يقدم علاجا شافيا للأم المريضة ورضيعها الذي تنفس الم الحياة... والذي سكن صدى صرخاته البريئة اذناي. وانا اتقدم صوب المستوصف فاذا بي ارى نورا خافتا كنور شمعة على مائدة رومانسية ينبع من احدى النوافذ الغربية للمستوصف ، كم كانت فرحتي كبيرة حينها هرولت واسرعت الخطى كي اصل المكان بسرعة . وجدت نفسي اقف امام بناية عجيبة وابواب موصدة بأقفال و سلاسل نخرها الصدأ. قرعت الباب و قرعته ثانية و ثالثة حتى كل متني ولا حياة لمن انادي، حتى الاشباح الذين يستمتعون بدفء نور الشموع لم يلبوا النداء. فجأة سمعت نباح كلاب ضالة تقترب مني وتحوم بجانبي وسمعت صغارها في ركن بعيد تنبح انذاك علمت ان المستوصف شبح قائم في قريتي كما شأن الطبيب. وفي الحين ذاته علمت ان البناية سكن للكلاب الضالة و...
وعلمت كذلك حقيقة مرة مفادها : الاشباح تسكن مستوصف قرية الأشباح والمرضى في ذمة الله.
وامام هذا الوضع المرير و الالم المتزايد فكرت في عديد المشكلات التي تتخبط فبها قريتي المزينة ببنايات اشباح...
كل من يزداد بهذه القرية يصبح بدوره شبحا ورقما وهميا او انسانا منسيا: لا تطبيب و لا علاج و لا تمريض...
مع بزوغ فجر يوم جديد وانقشاع النور، تبينت ان الامر غريب في قريتي ، كل شيء اراه ينطقني ، قامات النخيل الباسق وقمم الجبال الشامخة و احجار الوادي المزركشة واناس لا ارى الا ظلهم يحملون اكياسا من الهم و الحزن ويحملون نعشا ترقد فيه السيدة التي ألم بها النزيف ليلا... آه يا قريتي...
عندما اتذكر صوت الصبي الذي ارقني صوته ليلة كاملة ، اتذكر معه احزان الامهات و آلام الامومة.
وعندما اذهب الى مستوصف ولا اجد فيه طبيبا بل شبحا أعي اني سأغادر في صمت...
تأليف الاستاذ : محمد أوعليوا