اغتراب ~
جلس الصّبيّ على عتبة البيت، وهو ينظر إلى أطفال الحيّ الذي انتقلوا إليه حديثا يلعبون، قلّب بصره بينهم فهؤلاء يلعبون الغمّيضى، وأولائك يحجلون ، والفتية الآخرون يتبارزون بسيوف صنعوها من أخشاب. ومجموعة أخرى بالقرب منه يلعبون الكرة يتقاذفونها بينهم ويتصايحون بفرح. كلّهم منهمكون في لعبهم وما من أحد وجّه إليه الدّعوة كي ينضمّ إليهم، جلس طويلا وطافت بمخيّلته رحلة العذاب التي عاشها صحبة أسرته من بلدهم الذي نخرت أركانه الحرب الأهليّة وذهبت بأغلب سكّانه، فخيّر والده أن يرحلوا ولجأوا إلى أقرب بلد إليهم، عادت به الذّاكرة إلى أترابه الذين تشتّتوا بين الدّروب لم يعرف عن أخبارهم مذ افترقوا شيئا. شعر بألم يعتصر قلبه الصّغير الدّافئ وبدموع حرّى تتدفّق من عينيه الصّغيرتين، يا لتلك الحرب الشّعواء التي جعلته يألم لفراق أحبّته الصّغار أولائك الذين ماكانوا يبدؤون لعبهم بدونه كانوا ينتظرون خروجه من المنزل كي يعلنوا بداية مرحهم . أولائك لم يكن لونهم غريبا عنه و لا اللّسان الذي يتحدّثون به غريبا عن لسانه. كان يفهمهم ولا يحتاج إلى دعوة منهم ليشاركهم ألعابهم بل كاد يكون هو القائد لما يتمتّع به من فطنة و ذكاء وقدرة رهيبة في مشاكسة الكرةرغم صغر سنّه. أمّا هؤلاء الذين يتحرّكون أمامه فهو يسمعهم يتكلّمون ولا يفقه من حديثهم شيئا، ويراهم يلعبون ولا يستطيع التجرّؤ على مشاركتهم لعبهم. هؤلاء لونهم مختلف عن لونه، هم بيض كلون الثلج مع حمرة في الانف وعلى الخدّين بمفعول البرد. أمّا هو فسمرته التي بلون الأرض التي جاء منها تجعله يكتشف أنّ الكون لا يسكنه ذوو اللّون الأسمر فقط. فهؤلاء البيض أيضا موجودون هنا على الأرض، هو لم يكن يراهم إلاّ حين كان البعض منهم يأتون إلى قريته لمدّ سكّانها ببعض الأغذية أو الأغطية أو الأدوية أحيانا . كان ببراءة الطّفولة يحسبهم ملائكة نزلوا من السّماء لمساعدتهم. ولا يفهم أنّ أولائك هم السبب وراء الحرب التي طحنت أبناء جلدته.
كان وهو يسترجع ذكرياته في تلك القرية البعيدة وعلى تلالها وبين أوديتها تسيل دموعه أنهارا و يشتدّ ألمه حين يجد نفسه وحيدا لا صديق ولا رفيق، ينظر إليهم يلعبون ويتمنّى بنيه و بين نفسه أن يتلطّف أحدهم بدعوته للمشاركة. جلس طويلا هناك وسالت دموعه مدرارا ولكن ما من مجيب، حتّى سمع صوت أمّه وهي تدعوه إلى الدّاخل فقد حان موعد الغداء. مسح وجهه ورسم ابتسامة لامبالاة على شفتيه كي لا تكتشف أمّه حزنه ونهض ليلبّي نداءها. فجأة وقعت كرة بين قدميه فأومأ إليه أحدهم كي يردّها، فهم الإشارة وأسرع لقذف الكرة بمهارة، وكانت تلك ضربة البداية لطفولة لا تعرف الأحزان ولا اختلاف الألوان ولا تحتاج في خطابها إلى لسان ~
~ فوزية عاشور ~
~ 17/02/2019 ~
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق